ابن أبي الحديد
156
شرح نهج البلاغة
على أنه غير مكره لهم ، وأنه قد خلاهم وما يريدون إلا أن يعرض ما يوجب خلافه . وقد روى أن أمير المؤمنين عليه السلام أقال عبد الله بن عمر البيعة حين استقاله ، والمراد بذلك أنه تركه وما يختار . اعترض المرتضى رضي الله عنه فقال : أما قول أبى بكر : " وليتكم ولست بخيركم ، فإن استقمت فاتبعوني ، وإن اعوججت فقوموني ، فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي ، فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم " فإنه يدل على أنه لا يصلح للإمامة من وجهين : أحدهما أن هذا صفة من ليس بمعصوم ، ولا يأمن الغلط على نفسه من يحتاج إلى تقويم رعيته له إذا وقع في المعصية ، وقد بينا ان الامام لا بد ان يكون معصوما موفقا مسددا ، والوجه الاخر أن هذه صفة من لا يملك نفسه ، ولا يضبط غضبه ومن هو في نهاية الطيش والحدة والخرق والعجلة . ولا خلاف أن الامام يجب أن يكون منزها عن هذه الأوصاف ، غير حاصل عليها وليس يشبه قول أبى بكر ما تلاه من الآيات كلها . لان أبا بكر خبر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب ، وأن عادته بذلك جاريه ، وليس هذا بمنزلة من يوسوس إليه الشيطان ولا يطيعه ، ويزين له القبيح فلا يأتيه ، وليس وسوسة الشيطان بعيب على الموسوس له إذا لم يستزله ذلك عن الصواب ، بل هو زيادة في التكليف ، ووجه يتضاعف معه الثواب وقوله تعالى : ( ألقى الشيطان في أمنيته ) قيل : معناه في تلاوته ، وقيل : في فكرته ، على سبيل الخاطر ، وأي الامرين كان ، فلا عار في ذلك على النبي صلى الله عليه وآله ولا نقص وإنما العار والنقص على من يطيع الشيطان ويتبع ما يدعو إليه . وليس لأحد أن يقول : هذا إن سلم لكم في جميع الآيات لم يسلم في قوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان ) ، لأنه قد خبر عن تأثير غوايته ووسوسته بما كان منهما من الفعل . وذلك أن المعنى الصحيح في هذه الآية أن آدم وحواء كانا مندوبين إلى اجتناب الشجرة وترك التناول منها ، ولم يكن ذلك عليهما واجبا لازما ،